بمناسبة اليوم الوطني لمناهضة التعذيب — 8 ماي
كل يوم 8 من شهر ماي نحيي اليوم الوطني لمناهضة التعذيب ونجدد الذكرى لكل من فقدوا حياتهم أو كرامتهم كضحايا للتعذيب وكل اشكال المعاملة والعقوبة القاسية واللاإنسانية والمهينة
حاتم وعاطف ومريم وغيرهم كانوا مثالا لقصص مأساوية لم تتمكن الذاكرة من تجاوزها: هذا شابٌّ لقي حتفه إثر تعرّضه للعنف أثناء الاحتفاظ، دون أن تُقدم له الرعاية الطبية اللازمة؛ والآخر عاملُ توصيل تعرّض للاعتداء على يد أعوان أمن واقتيد بالقوة إلى مركز الشرطة؛ وهذه شابةٌ تعرّضت للضرب داخل منزلها أثناء عملية مداهمة أمنية، ثم طالتها تتبعات عدلية لمجرد محاولتها تقديم شكاية فيما تعرضت له من انتهاكات.
منذ 8 ماي 2025، انضمت 98 ضحيةً جديدة لبرنامج « سند » لمرافقة ضحايا التعذيب وسوء المعاملة. خلف كلّ ملفٍّ: مأساة لأنسان فقد كرامته واستقراره العائلي وأمله في الحياة وفي الوصول للعدالة وجبر الضرر.
لماذا يستمرّ التعذيب؟ وكيف؟
تتواصل جرائم التعذيب وسوء المعاملة وتغذيها منظومة تكرس العنف المؤسساتي والافلات من العقاب، ناهيك عن حرمان الضحايا من ولوج فعال الى العدالة. ويمكن تعداد أسباب عديدة لاستمرار هذه الانتهاكات منها:
أوّلاً — محدودية نطاق تجريم التعذيب في القانون التونسي لا يزال الفصل 101 مكرّر من المجلة الجزائية دون مستوى التعريف الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب التي صادقت عليها تونس سنة 1988. إذ يقتصر التعريف المعتمد على الآلام المُسلَّطة بهدف انتزاع اعترافات أو معلومات، أو تلك القائمة على التمييز العنصري، مستبعداً الأغراض العقابية وسائر أشكال التمييز. غير أنّ الحالات التي وثّقها برنامج « سند » تكشف عن استخدام واسع للعنف كأداةٍ للعقاب في الفضاءات العامة والأماكن السالبة للحرية، بما في ذلك العنف المسلط على أساس النوع الاجتماعي او الهوية الجندرية أو المعتقد الديني وغيره من أشكال التمييز. هذا التعريف الضيّق يجعل العديد من الانتهاكات خارج نطاق التجريم وتبقى بذلك الإدانات في قضايا التعذيب نادرة للغاية ان لم تكن مفقودة.
ثانياً — سياسة جزائية زجرية وصارمة يُشكّل الموقوفون تحفظياً أكثر من 50% من مجموع الموقوفين وفي عديد الحالات يقع تجاوز المدة القانونية المخصصة للإيقاف التحفظي. هذا وتضمّ السجون التونسية حالياً نحو 32 ألف شخص، في حين لا تتجاوز طاقتها الاستيعابية 18 ألف مكان، مع مساحة لكلّ سجين قد لا تتعدّى 0.7 متر مربع — أي ما يقلّ بكثير عن المعايير الدولية الدنيا. مما يؤدي ضرورة إلى تدهور ظروف الإيقاف وبالتالي صعوبة النفاذ إلى الرعاية الصحية، وهو ما يعد انتهاكاً صارخاً للسلامة الجسدية للمساجين، بل سببا للوفاة داخل السجون.
ثالثاً — التضييق على الفضاء المدني تتعرّض الجمعيات والمدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان لإجراءات ممنهجة تستهدف إسكات كلّ صوت ناقد للسلطة. حيث تتوالى قرارات تعليق النشاط والتهديدات بالحلّ والإيقافات التعسفية، ممّا أدى الى عدم استمرارية تقديم المرافقة والدعم للفئات الهشة لاسيما ضحايا التعذيب وسوء المعاملة.
تُضاف إلى هذه العوامل أسباب أخرى سبق تحليلها والتنديد بها خلال السنوات الأخيرة، منها البطء المبالغ فيه للأبحاث الجزائية وافتقارها إلى الجدية، وهيمنة الجهاز الأمني، وانعدام الشفافية بشأن مآلات المتابعات التأديبية، فضلاً عن التقاعس عن تنفيذ الأحكام القضائية والقرارات الإدارية الصادرة لفائدة ضحايا التعذيب وسوء المعاملة.
الإصلاحات المطلوبة: ضرورة لا تحتمل التأجيل على الرغم من التوصيات الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب منذ سنة 2016، لم تُنفَّذ إلى اليوم الإصلاحات الهيكلية المنتظرة. ومع اقتراب موعد الاستعراض الدوري لتونس أمام اللجنة سنة 2027، يضيق الهامش الزمني المتاح للقيام بإصلاحات جوهرية — هي وحدها الكفيلة بوضع حدٍّ نهائي للتعذيب.